Yahoo!

لعنة الأبنوس

كتبها عبدالله هجو ، في 18 سبتمبر 2011 الساعة: 09:26 ص

 

 

 

عندما يرسلُ الفجرُ بنورِه الأرجوانى .. أتبيَّنُ الجدران المبنيَّة من الصَّخر ، وقد أرهقها التصلُّب هنا حتى خارت قواها .. فأصبحت بالكاد تستطيع حمل السقف الذى أعترته الشيخوخه .. أتبيَّنُ .. أريكتى المهترئه وهى تمارسُ عشقها القديم لحفظ التوازن ..
والوقوف على ثلاث .. و من فوقها يرقدُ بعضٌ من دفاترى القديمه .. و قرطاسٌ , وقلمٌ , وقنينة حبر .. وأحد كتب " دستويفسكى " كنت قد سرقته منذ شهرين من المكتبةِ العموميه . كانت جميعها تقبعُ بضجرٍ .. تسخر من نسمات الصبح .. التى وجدت طريقها عبر النافذة الجنوبيه التى إنخلع مصراعاها إحتفاءً بأعاصير الخريف . وكان بجانب ذلك .. دَكَّةً خشبيه يعلوها فراشٌ قذر يتمدد من فوقه إسماعيل .. ذلك الأخرق الذى وجدته داخل أسوار الجامعة يزرع الطرقات بنعليه القديمين ، ثم يجلس على حجر الإقالة الجبريه بكلية آداب يحملق فى وجوه الطالبات ويهذى .. وجدته يشاركنى جزءً من عزلتى المقيته ، فأحضرته إلى هنا ليسكنُ معى .. ونتقاسم سويّاً البؤس ، والسأم .. وسراب الأمنيات .
نهض إسماعيل .. تثاءب بكسل .. وتمطَّى بشكل مُروِّع و هو يلوكُ بعض كلام :
- جوزيف صالح ..
هزَّ رأسه بعجبٍ ثم ضحك و هو يفرك عينيه بيديه القذرتين و سأل :
- حدِّثنى بربِّك من أين لك هذا الإسم الملوَّن ؟! ..
قلتُ وكأنِّى أشتمُّ رائحة تعفن السؤال :
- أبى كان جندياً يقاتل الثوار فى غاباتِ الجنوب .. إلتقاها هناك وتزوجها دون حب فى ليلةٍ مقمره .. وعندما جئتُ إلى الحياة وهبنى أبى الشق الأبيض من إسمى وهرب .
قاطعنى وكأنه ملَّ حديثى وأحبّ أن يكمل الأمر على الطريقة التى تستهويه :
- وترك أُمَّك لتطلق عليك إسم جوزيف وتهبك إهابها الأسود وشفتيها الغليظتين وساقيها الطويلتين الناحلتين وأسنانها البيضاء ..
سكتَ لحظة ثم واصل :
- إن أمك قد أغدقت عليك الكثير .. أليس كذلك ؟ ..
أطلقتُ تنهيدةً حرَّى , ثم قلتُ وكأنى أبحث لها عن عذرٍ مقبول :
- نعم .. هى لم تدرِ إنها بذلك تهدينى عزلةً أبديَّه لأظلّ هكذا معلقاً كالسحاب .
لوى شفتيه ثم وقف على رجليه ..
بصقَ على الأرضِ وتمطَّى مرةً أخرى بغباءٍ له أنين ..
و خَرَج ..
صَعَدَتْ إلى ذهنى صورة أبى .. تلك الصورة الملائكيه التى رسمتها أمى بعنايةٍ على صفحات خيالى الخصب عندما كنت يافعاً غض الأنامل أستقبل الحياة بمرحٍ على ضفَّة نهر الجور بين أيدى زوجات جدى الثمانية والعشرين ..
" أبوك كان تاجراً من الشمال .. يأتى إلى هنا يحملُ إلينا السكر والملح ..
وكان له جواداً أبيضاً ..
وسيفاً صارماً يقتل به قبائل الأجار التى تتحول إلى أسود تزأر فى الغابة وتأكل العابرين . "
أمى .. كانت صلبةً كشجرة أبنوس .. أتَتْ من الجنوبِ تنتعلُ الحَصى ..
تربطنى على ظهرها بخرقة كِتَّان بعد أن أحرق الثُوَّارُ قريتها و أحالوا الغابه الى جحيم ..
أتت إلى الشمال تبحث عن أبى ليكون ملاذاً لها و لأبنها الذى لم يتجاوز الخمس سنين ..
ظلَّتْ تجِدُّ فى بحثها دون كلل حتى أدركته هناك .. بإحدى قرى جنوب الجزيره ..
الناس فى تلك القريه ذوو بشرةٍ بيضاء .. و شعرٍ أملس .. وعِصى ..
أجتمعوا .. وإنفضُّوا .. قاموا ..  وجلسوا .. وخَطُّوا على الأرضِ بعض خطوط , ومن ثم إتفقوا على رأى ..
" لتذهب السوداء من حيث أتت ..
صالح إبننا لا يعرفها .. ولتغادر القرية فى الحال .. " .
وهكذا خرجتْ أمى وهى تحملُ بين حناياها حُزناً مريراً بعد أن أنكر أبى صلته بها ..
ولم تكد تبعد قليلاً حتى أعياها الرهق والسقم فماتت ..
ماتتْ بعد أن تبخّرتْ أمانيها التى قَطَعَتْ من أجلها السهولَ والوهاد ..
ماتتْ دون أن تجد من يقرعُ على نعشها الطبلَ ويشربُ الخمرَ ويبكى سبع ليالي .
شعرتُ فى ذلك الحين بأنى وحيد ..
وأنى أحتاجُ حضن أبى ..
وأحتاجُ أيضاً يداً تمنحنى الدفء وتطعمنى قطعة خُبز .
عدتُ إليه ..
كانت أسنانى تصطكُّ ..
وجسمى يرتعشُ بعد أن عادتْ إليه الحُمّى لتسكنه من جديد .
أخبرته وأنا لا أكاد أقوى بأن أمى قد ماتتْ .. فجلس طويلاً يضعُ رأسه بين كفيه وينشج .
تذَكَّرَ بعد فوات الأوان ، أيامه هناك وسط غابات المستنقع ، عندما أحاط به الثُّوار ..
وشَدُّوا وثاقه ..
وغرسوا فى فخذه سكيناً حتى يقرُّ ، و يطلق الألم للسانه العنان :
" ثلاثة عشرة جنديّاً ماتوا فى الطريق ..
وثمانية وعشرون تنهش عظامهم حُمّى المستنقعات ..
والبقية يجلسون هناك منهوكى القوى ..
يتكئون على " الكلاشنكوف " وقد تورّمت أرجلهم ينشدون أناشيد الجهاد . " .
أمطروه بالأسئلة وهو يجيبهم مُرتعداً مرعوباً يصاحبُ صوته الأنين ..
وفى نهاية الأمر فتح أحدهم جهاز الراديو وأرسل رسالةً بلغةٍ إفرنجيه ثم أمر بإطلاق سراحه ..
وما كادوا يفعلون حتى أطلق ساقيه للريح ..
يتعثّر فى الوحل ..
ويقاوم الألم ..
وبينما هو يولى الأدبار ، إذا بنصلٍ حاد يغوصُ فى كتفه بإصرارٍ عنيد ، ليسقط على الأرض يلهثُ ..
ويئنُّ ويتلوّى ..
بقى ينزفُ فى ذاك المكان حتى أنقذته صرخات أمى ..
" مويوك .. أجيموج ويك .. "
ليلتفُّ من حوله رجال القبيلة , يحملونه إلى القرية يضمدون جراحه .
غاب عن الوعى ثلاثة أيام .. وعندما أفاق وجدهم قطعوا رِجْلِه التى أُدير فيها النصل ..
و وجدهم يشعلون النّار ..
ويقفون على رِجلِهم الشمال يرقصون رقصة البجع ..
تذَكَّرَ أبى كل ذلك فبكى بكاءً مُرَّاً ..
وضمّنى إليه بقوّة وهو يتمسَّح برأسى و وجهى ..
و راحتيْ يدىْ الصغيرتين .
كان إخوتى ينظرون إلينا بدهشةٍ أيقظهم منها صوتُ رجلٍ قَرَع الباب بعصاه ..
خرَجَ إليه أبى و انتحى به جانباً ..
ظلّا هناك يتكلمان بصوتٍ منخفض ..
جاء آخرٌ و آخر حتى امتلأت الساحه ..
وأبى يتكلّم بعينين دامعتين ..
ويلوِّح بيديه حتى ضربَ الرجالُ كفّاً بكف , ثم لووا أعناقهم ومضوا .
 
 
   فى اليوم التالى أخذنى أبى إلى العيادة التى لم تكن تبعدُ كثيراً عن المنزل ..
دوَّن الطبيب مجموعةً من البيانات على الدفترِ الموضوع أمامه ..
ووجَّه إلى أبى بعض الأسئلة ثم فحص صدرى وبطنى وفمى وعينىْ .
أخذ قطرةً من دمى مسح بها شريحةً زجاجيه ، وضعها تحت المجهر و دقَّق فيها طويلاً ..
كنتُ فى ذلك الحين أتطلّعُ إليه بفضول ..
دواخلى تموجُ بشتَّى الإنفعالات ..
إحساسٌ بالخوفِ والوجل ..
إحساس بالإثارةِ والرهبه ..
أدخلها إلى نفسى جو المكان .. و رائحة الديتول ..
و سلَّة وُضِعت بإهمال جوار النافذه و قد رُميتْ بها قطعٌ من القطن والشاش الملوثة بالدماء والسوائل ذات اللون الأصفر .. المقزِّز ..
أحسَّ الطبيبُ بما يعتملُ فى أعماقى فأرسل لى إبتسامةً ودوده مطمئنه ، ثم خطا نحوى بضع خطوات وربت على ظهرى ، و وجَّه لى بعض الأسئلة لم+ ينتظر لها إجابه .
   لم ينزعج الطبيبُ من الملاريا التى أصابتني مثلما انزعج من الزياده الملحوظة فى تكوُّر بطنى وذاك اللعاب الشفّاف ثقيل القوام الذى يسيلُ من فمى بطريقةٍ لا إراديه ..
عبأ حقنته بسائلٍ أبيض , أفرغها فى شرايينى ، ثم طوى ورقةً أودعها بعض الحبيبات الصغيره .
تكلّم إلى أبى طويلاً بإهتمامٍ زائد حول عددٍ من التوجيهات الصارمه ، مؤكداً ضرورة حضورى يومياً ألى العيادة لحين إكتمال العلاج .
ومنذ ذلك الحين أجدُ نفسى تخطو خطواتها الأولى فى طريق العزلة ..
يعطوننى طعامى لآكل وحدى حتى لا أُعدى الآخرين ..
أشربُ بكوبٍ لا يقربه أحد .. حتى لا أُعدىَ الآخرين ..
ينظر الناس إلىَّ بريبه ، ويمنعون أبناءهم من اللعب معى حتى لا تصيبهم العدوى ..
   ظللتُ طيلة السنوات الثلاثةِ اللاحقه أذهبُ إلى العياده , حتى أن الطبيب أحبَّ أن يكافئنى يوماً على زياراتى المنتظمه لتلقّى العلاج فطلب منى أن أحضر حصاةً وضعها على شريحه وسمح لى بالتطلُّعِ إليها عبر عدسةِ " الميكروسكوب " ..
عجِبتُ كثيراً كيف يمكن لحصاةٍ صغيره أن تتضخّم على هذا النحو ..
و بعد أن عبأ حقنته قال بلهجةٍ مُغرِقه فى الجدّيه :
- أتعرفُ يا بُنىْ ..
أن المرض فى أجسامنا يشبه إلى حدٍّ كبير هذه الحصاة الصغيره ..
إذا لم نحرص على تناول الدواء فإنه يكبر و يتضخم حتى تُقطع أنفاسنا ..
فيخرج للبحثِ عن إنسانٍ آخر .
   و تخيَّلتُ بعقلى الصغير أن ذلك الإنسان قد يكون أبى ، فتسرى فى أوصالى رعشةٌ ..
مبعثها ذلك الحبِّ الفطرى الذى يزرعه الخالقُ فى قلب المرءِ تجاه أبويه .
وقد تكون تلك العبارة هى السبب فى ثباتى أمام وخز الإبرِ طول فترة العلاج , لأنى كنت أشعرُ فى قرارةِ نفسى أن تلك الطعنات الحادّة لم تكن فى إليائى أنا , وإنما فى صُلبِ ذلك الحيوان العنيد فأراه بخيالى الخصب يصرخُ ويتلوَّى من شدَّة الألم .
   ومن خلال زياراتى المتكررة للعياده نشأتْ بينى و بين الطبيب علاقةٌ حميمه , فهو الوحيد الذى لا يجدُ حرجاً فى دعوتى لمشاركته طعام الإفطار الذى يبعث به - إليه- الأهالى طلباً لودِّه , ومظهراً من مظاهر التفاخر بينهم , وهو الوحيد الذى يلمسُ أجزاءً من جسمى حتى خُيِّل إلىَّ فى إحدى المرات أن الأطباء لا يمرضون لأن المرض يخشاهم ، و يخاف منهم ..
   وقد أدركتُ لاحقاً أن هذا السلوك النبيل مبعثه سببان ..
الأول .. إحساسه بأنى قد وهبته فرصةً طيِّبه لإثبات نجاحه المهنى ، فى هذه البلدةِ القصيَّةِ المنعزله ، التى لا يعرف أهلها سوى الإسهالات ، و نزلات البرد ، و حمى الملاريا .
و الثانى , هو إشفاقه علىَّ بعد أن رأى من حولى يعزلوننى تماماً , ويخرجوننى من حياتهم ..
بل وينظرون إلىَّ نظرةً مِلؤها الشك والريبه , ولا يتورعون عن مناداتى بالأسوَدِ السوداء .
 وقد حاول هذا الطبيب بكل جهده أن يعيد إندماجى فى المجتمع بعد أن تيقّن من شفائى فلم يُفلح ..
الشىء الوحيد الذى استطاعه حمل أبى عندما بلغتُ سن الثامنه علي إرسالى للدراسة بعد أن أقنع مجلس الآباء وإدارة المدرسه مستخدماً نفوذه الإجتماعى ..
 وأنا حقاً لا أزال حتى اليوم أحفظ لهذا الرجل بين جوانحى الكثير من الإمتنان .. ولا أزال أذكرُ محاولاته التى لم يحالفها النجاح حتى لحظة إحتضاره عندما أوصى لى ببضعة جنيهات كان قد إدَّخرها طوال سنىِّ خدمته محاولاً بذلك أن يفسح لى مكاناً بين الناس كموسِر لم يتجاوز بعد الحادية عشره من عمره ..
ما حدث أن تلك الجنيهات أُحيلتْ بعد وفاته إلى لجنة الخدمات بالقريه - بعد أن أنكر الجميع هذه الوصيَّه - ..
لم أكن أهتم للأمر ..
إذ لم أكن أعى فى ذلك الحين ماذا يمكن أن تفعل خمسة عشره جنيهاً ونصف , كما إنى إكتفيتُ فقط بذاك الود الذى عاملنى به أعضاء لجنة الخدمات ، لدرجة أن أحدهم مسح على رأسى وهو يسلِّم أبى خمسين قرشاً و يخبره بأنهم قد أعادوا قيدى بالمدرسه التى فصلونى منها قبل يومين لمُشادَّةٍ نشبت بينى وبين أحد أبنائهم ‘‘ .
  وبعد رحيل ذاك الطبيب شعرتُ بالغربة تحاصرنى من كل اتجاه , وفطنتُ إلى تلك النظرات المقيته التى ترمقنى حيثما اتجهتُ ..
أحسستُ بالضيق ..
والذلِّ .. والهوان ..
و أنا أسمع همس الألسُنِ يُلهبنى كالجلّاد ..
فى المدرسه .. والطرقات ..
و كل الأماكن التى أرتدتها أثناء فترة إقامتى هناك .
وعلى الرُّغم من أن القرية قطعت شأواً ليس باليسير فى طريقها نحو المدنيّه ..
إلا أن سلوك النّاس تجاهى لم يعتريه التبدُّل ..
ظلُّوا كما هم ..
ينظرون إلىَّ بتعال .. كأنّى بشر من الدرجةِ الثانيه ..
لا أستحقُّ اعتبارا ..
ذاك الإحساس بالدونيَّه جعلنى أتقوقعُ ..
وأنكبُّ على كُتبى المدرسيَّة بغيةِ أن أتعلَّم ..
وأصبح رجُلاً ذا شأن ..
وقد أثمر إجتهادى و صبرى فاجتزتُ المرحلة الثانويه بتفوُّقٍ جعل من حولى يرسمون عدّة علامات إستفهام .. و يسألون :
-       إبراهيم .. هل نجحت ؟ .
فيجيب و هو يحك بعصاه بقعةً قصية بمنتصف ظهره :
-       لا .. لم أنجح .
-       عثمان .. هل نجحت ؟ .
فيجيب و هو يمسح أنفه بطرف كمه المُتّسخ :
- لا .. لم أنجح .
- مصطفى .. هل نجحت ؟ .
فيرد و هو يتواري بخيبته خلف إخفاف الآخرين :
- لا .. رسبنا جميعاً و لم ينجح سوى الأسْوَد .. إبن السوداء .. جوزيف .
و يضربُ النّاس كفّاً بكفِّ كأنى لا أستحقُّ النجاح .
 أعاد إلىَّ ذاك النجاح بعض التوازن النفسى ، وأنا أرى أبى الذى كان فى السابق يعتبرنى أكبر حماقةٍ إرتكبها فى حياته يذبحُ عِجلاً إحتفاءً بالمناسبه , ويتنقَّل بين المدعوين من جمعٍ إلى جمعٍ يقول :
- يوسف إبنى منذ أن نشأ يحبُّ القراءة والإجتهاد و … .
- يوسف إبنى بعد أن يكمل الجامعه سيصبح موظفاً مرموقاً و يصبح كذا و كذا … .
- يوسف إبنى … يوسف إبنى … .
 كان يقولُ يوسف وهو يعنينى - أنا - .. وأنا أرقب كل ذلك فى صمت ..
بداخلي نشوةٌ غامره لا تحدها الحدود .
وعندما حزمتُ حقيبتى وجئتُ إلى مدينة الخرطوم للدراسةِ بالجامعه , أكتشفتُ أن عزلتى لم تزل ترافقنى مثلما يرافقنى هذا الإهاب الأسود ..
وكآبتى .. وبؤسى ..وشقائى ..
وملامح أُمِّى التى أحرقها وهج الشمس ..
جميعها أتتْ معى إلى هنا ..
ولم تفارقنى رغم الصّخب الذى يعيشه الطلاب فى أوقاتِ الفراغ ..
كنتُ أُحسُّ بالغربةِ وأنا أرى الجميع يتجاوزوننى بنظراتهم لدرجةٍ لم أقو معها على المشاركة فى تلك الحياة الطلقة التى يعيشونها .
يتسامرون ..
يقهقهون ..
ويجلسون على كافتيريا علوم يتناولون شراب الليمون ..
لم أكن أُحظى من تلك الحياة سوى بابتسامةٍ ترسلها إحدى الفتيات من حينٍ لحين , فأردُّها بصمتٍ و دواخلى تموجُ بحيْرةٍ لانهائيه , حتَّى أتى ذلك اليوم ..
كان الوقتُ مساءً ..
وكنتُ قد فرغتُ من جدول محاضراتى وقضيتُ زمناً معقولاً بالمكتبةِ الرئيسيّه ..
جلستُ على أريكةٍ منزويه أملأُ رئتىَّ بواحدةٍ من نسماتِ الليل الصافيةِ النقيَّه ..
كانت الأضواء تبدو خافته وأنا أتأملها بذهنٍ مكدود وعيونٍ أرهقها التعب .
جاءت تلك الفتاة و جلست إلى جوارى دون استئذان ..
إلتفتُّ نحوها ..
كنتُ أودُّ أن أقول شيئاً و لكنى عدلتُ عندما رأيتها ترسلُ ضفائرها على طريقة - بوب مارلى - و ترتدى قميصاً يظهرُ جزءً من نهديها الطافرين .
فتحتْ حقيبة يدها ..
عبثتْ بمحتوياتها للحظه ، و أخرجتْ علكةً بدأت تلوكها بطريقةٍ وقحه ثم التفتتْ نحوى و قالتْ :
- جوزيف ..
بقيتُ ساكناً كأن لم أسمع شيئاً ..
- أليس هذا اسمك ؟ ..
فقلتُ بضيق :
- نعم .. ماذا تريدين ؟ ..
فابتسمتْ قائلةً بهمس وهى تمدُّ يدها بجرأةٍ لتعبث بين فخذي :
- لا أريدُ شيئاً سوى …
شعرتُ برأسى يدور ..
والغضبُ يملؤنى حتى أخمص قدَمىْ , ففردتُ يدى وهويتُ بها بعنفٍ على خدِّها .
تجمَّع الطلابُ إثر صوت الصفعه , وعلى صوت لسانها الذى انطلق فى سكون المكان يسبُّ ويلعن :
- أيها النذل الوقح .. أتأتى من غاباتك لتغازل بنات الساده ؟ ..
تبصقُ على وجهى وتردفُ بسخريةٍ لاذعه :
- تجدُ أمِّك المسكينة الآن تبحثُ عن من يساعدها فى إعداد خمر الإسبوع القادم ..
   وقفتُ متسمراً , أنظرُ إليها مشدوهاً بعد أن أذهلتنى المفاجأه , ليتطوَّع أحد الطلاب يأخذها بعيداً وهو يهدِّئُ من روعها .
إنصرف بقيّة الطلاب بعد ان ثقبونى بنظرةٍ مليئه بالإحتقار و الإشمئزاز ..
- هذا العبد لا يستحقُّ الصفع فحسب .. لوَّث سمعة الجامعه عليه اللعنه .. كان يجب أن يُشنق .
   أحسستُ بأزمة الإهاب الاسود تعترينى من جديد لأعودُ وأتقوقع داخل ذاتى وأنا أرى الكذبة تتناقلها الألسن بإثاره داخل الحرم الجامعى .
لم يعد أحدٌ يميلُ إلى الجلوس بجانبى ..
فى أىِّ مكانٍ أجدهم يتحاشوننى كأنى أحمل عدوى المجزومين .. حتى الثلاثه الذين يشاركوننى الغرفة التى أقيم بها رحلوا وتركونى بين جدرانٍ أربعٍ وسقفٌ يتمددُ من فوقى بإصرارٍ عنيد .
هدَّ ذلك الحادث إعتدادى بنفسى ..
وإعتزازى بأنى أدرس الآداب هنا .. بواحدةٍ من أعرق مؤسسات التعليم بالبلاد ..
كرهتُ قاعةِ الدرس ..
كرهتُ الجلوس فى الكافتيريات ..
وكرهتُ كل الأماكن التى يُجرحُ فيها كبريائى علناً يوماً بعد يوم ..
لم تعُد لدىَّ الرغبة فى أن أصبح رجُلاً ذا شأن ..
ولم تعُد لدىَّ الجُرأة للقول ( أنا مثلكم .. أدرسُ و أفهم وأحقق النجاح .. ) ..
لملمتُ أشيائى وجئتُ لأقيم هنا .. بهذا المكان الخرِب الذى كان مقراً لإحدى شركات القطن أيام الإستعمار ..
 
 
 
بقيتُ أدورُ خارج أسوار الجامعه ..
أجترُّ ذكرياتى المريرة ..
وأنظر للطلاب فى حِنقٍ وغيظ , و أودُّ لو أستطيع ان أوقفهم جميعاً صفاً واحداً و أنهال عليهم صفعا ..
و عندما يداهمنى الجوعُ أذهبُ إلى سعديَّه ..
تلك الفتاة - المنقوليَّه - لأستلف منها ساندوتشاً من الفول ..
كانت المسافة بين عينىْ تلك الفتاة تتسع لعينين أخرتين ..
تنظرُ إلىَّ فى رثاء و هى تذكر أن موسيقى إسمى اعجبتها عندما سمعته للمرَّة الأولى ..
جوزيف صالح ..
كانت ترانى و كأنى أستعرت جزءً من إسمى فترة إقامتى هنا بمدينةِ الخرطوم ..
و هى لا تمانع أن تعيرنى أيضاً ساندوتشات الفول ..
و بعض المال لحين وصول مصروفاتى من مجاهلِ افريقيا كما كنتُ أزعم ..
هجرتُ الدراسة ..
ولم أعتبْ بوابة الجامعه ..
عاماً و نصف لم تثننى عن عزمى ، و لم تكفي لإخراجى من تلك الأزمه ..
وعلى الرغم من علمى بفصلى من الجامعةِ نتيجةً للأصفارِ الكبيره التى وضعوها بورقة الإمتحان , إلا إننى لم أزل أقبعُ مع إسماعيل هنا فى الجوار .. بهذا المبنى المهجور ..
و كان يُهيأ لى أحياناً أن إسماعيل ليس بمجنون ..
و لكنى سرعان ما أعدلُ عن إعتقادى عندما أجده يُهذى فى المنام بلغةٍ غريبه ..
يتكلّم حتى تُزبدُ شفتيه و يتطاير منهما الرذاذ ..
يُهذى و يرتجفُ لدرجةِ أن يساورنى الشكُّ فى أن هذا المعتوه قد بدأ أخيراً يلفظُ أنفاس الختام , فأظلُّ بجانبه أنتظرُ بصمت ، و فى داخلى خشية أن يسقط الأمر فى يدى .. و لكنه سرعان ما ينهض و ينتفض , ثم يضحكُ من أعماقه و هو يرى الدهشة ترتسم على قسمات وجهى ..
فيعتدل فى جلسته و ينقلُ لى أخبار الجامعه التى يزرع طرقاتها جيئةً و ذهابا :
" أستاذ الكيمياء الحيويه إعتذر عن محاضرة اليوم بكلية العلوم ..
و طلاب إقتصاد يقيمون حفلاً ساهراً بنادى الإتحاد رُغم أن أزهار - الماين - أقسمتْ أن لا تتفتَّح حتى يُقلع - عمر أومو - عن حلِّ مسائل الرياضيات لطالبات السنه الأولى ..
و  سوزى .. هل تذكرها ؟ .. تلك الفتاة التى أثارت حولك الشائعات .. "
فأفردُ قبضة يدى و أنوى صفعه ، فيجتاز المسافة بين الدكَّة و الباب بقفزتين ليتوقَّفُ عنده
و يلتفتُ نحوى قائلاً وهو يضحك بخُبث :
" … قَضَتْ عطلة الصيف الماضى بمنتزهات فينيسيا .. " .
و ينطلقُ خشية أن أمسك به .. و أوسعه ضرباً , فأهزُّ رأسى و لا أملك سوى الإبتسام ..
كان إسماعيل .. الوحيد الذى يصدِّقنى ..
و كان هو الوحيد الذى لا أجدُ حرجاً فى الجلوس إليه ..
و إخباره عمَّا يعتمل فى صدرى من بؤسٍ وشقاء ..
و عندما أراه فى الليل ..
يتمدد فوق فراشه القذر , ويصارعُ أحلامه المُرعبه .. تتراءى لى صورة أبى مصلوباً بجذع شجرةٍ عملاقه و من حوله جنود الثورة يسألون .. فأنهض كالمصعوق و أصرخ :
- أبى لم يصمدْ ..
أبى لم يصمتْ ..
أبى لم يكذب بعد أن ملأ القساة عينيه رُعباً ..
و غرسوا فى فخذه السّكين ، و هدَّدوه بقطع – ذَكَرِه – و فقئ عينيه إذا لم ينطق ..
فنطق ..
نطق أبى ..
وماتت سَرِيَّه ..
وعتقته الأقدار بقسوه ليبقى هناك يعانى عذاب الضمير .
عندما أتذكَّرُ ذلك أرقُّ لحاله ..
فأغفر له شقائى و حرمانى ..
و أغفرُ له إحساسه يوماً بأنى أكبر حماقة أرتكبها فى حياته .
 
 
إسماعيل ..
لم يكن طالباً و لكن دوماً يجد نفسه هناك .. بينهم ..
و قد أسعده كثيراً إقترابه من مظهرهم الأنيق عندما أهديته يوماً قميصاً وحذاء ..
كنتُ أشعرُ فى قرارةِ نفسى إنه قد بدأ يفيق , إذ بدأت صراعاته أثناء النوم تقلُّ و تتباعد ..
بدأ يتصرَّف فى الآونة الأخيرة بشىء من العقلانيه .. فانتابتنى الرغبة و الفضول يوماً للذهاب وراءه حتى اجتاز بوابة الجامعه التى ظلَّتْ كما عهدتها مفتوحةً دوماً  - بلا رقيب - .. لكلِّ من أراد الدخول ..  
فكان هناك عمر أومو ..
وصلاح سِكس وعيسى طَرَبْ وحَمَدْ عذاب " المجنونُ رسميَّاً " .  
رأيتُ الطلاب يضحكون وإسماعيل يمازحهم بوجهٍ طلق ..
كنت أعجبُ من أنى لم ألحظ إختفاء ذاك الشحوب الطاغى الذى كان يغطّى سحنته ..
بدَتْ ملامحه مشرقةً بهيَّه بعيونه الواسعة .. وشفتيه الرقيقتين .. وشاربه الرفيع ..
جلس هناك .. بزاوية الآداب ..
على حجر الإقالة الجبريه , ليتحلَّق من حوله الطلاب ..
يحكى لهم حكايات لم يسمعها أحدٌ من قبل ..
ها هو ذا إسماعيل ..
بعد ست سنواتٍ من معرفتى إيَّاه ، يخرجُ من عزلته ويفتح ذراعيه للحياة ..
إسماعيل أيها المجنون الـ… ماذا ألمَّ بك ..
لم ألحظ من قبل إنه قد بدأ يغتسلُ يومياً ..
يُمشطُ شَعرِه بأناةٍ ..
ويغنِّى ..
كان قد تبدَّل كلِّياً ..
الشىء الوحيد الذى لم يتبدّل .. فِراشِه القذر ..
ذلك الفراش الذى كان يتبوَّل عليه عندما تداهمه الأحلام ، و يشتدُّ به الصراع ..
و عندما يجفُّ تَعْلَقُ به آثار بُقَعٍ ..
و خرائط ..
و حيوانات أسطوريّه ..
و إناسٌ يصرخون ..
و آخرون يحملون وروداً .. و روائح نتنه .. مقزِّزَه .
هُيىء لى فى إحدى اللحظات ، أن إسماعيل يستلهم حكاياته من هنا ..
من هذا الفراش القذر .
و منذ أن شاهدتُ بأمّ عيْنىْ التغيُّر الذى شمله , أصبحتُ أحرِصُ على أن نذهب سويَّاً ..
و نأتى سوياً ..
و نقِفُ سوياً أمام سعديَّه بائعة الساندوتشات ..
تلك الفتاة التى لم يغيِّرها مرور الزمن ، فظلَّت كما هى بشكلها الذى رأيناها به أول مرَّه ..
تجلسُ فى ذات المكان تبيع الساندوتشات ..
كنَّا نقفُ أمامها ..
 و فى داخلى خشية أن يكفهرُّ وجهها فترفُضُ إعطاءنا ساندوتشات الفول ..
بعد أن أصبح كاهلى مُثقلاً بالديون ..
أبحثُ عن مدخلٍ مناسب للحديث , فألتفتُ إلى إسماعيل و أكلمه مشيراً إليها :
- من أين أتت هذه الفتاة البيضاء قصيرة القامه ؟ ..
فيجيب بتلقائيه :
- لماذا تسأل ؟ ! .. إنها واحدة بعثَتْ بها سلالة الساموراى لتُعَلِّم الناس الإنضباط .
فأهزُّ راسى وأقول فى جِدٍّ :
- نعم .. نعم .. أنا لا أدرى كيف فاتَ علىَّ ذلك و أنا أراها تأتى إلى هنا فى السابعة و النصف صباحاً بالتمام , تجلسُ بصبرٍ تبيع الناس وجبة الإفطار حتى السادسة مساءً بالتمام .
   و نغرق ثلاثتنا فى الضحك , فتمدُّ يدها بثلاثة أو أربعة من الساندوتشات المطويّه فى أوراق صحفٍ قديمه , و حالما يستلم إسماعيل لفافته شاكراً تضربه بعنفٍ على جانب رِجله اليسرى فيقفز للوراء ويقول متهكماً وهو يقضم لقمه :
- أيتها المتوحشه ..
فتنتفض من مقعدها ..
و تجرى وراءه حتى تُقطع أنفاسها ..
فتتوقف وهى تنفض طرف ردائها بسخط .. و يقف هو على مقربةٍ و يضحك ..
يضحك حتى يكادُ ينكفىء على ظهره .
كان هذا المشهد يتكرر يومياً ، و إسماعيل لا يفتأ يختلق أسباباً للنزاع .
 
 
 
   كانت تلك الحياة الجديده التى ولَج إليها إسماعيل تنسينى وحدتى , فبدأتُ أخرج رويداً رويدا من بلازما الإحباط التى أغرقتنى خمس سنين ..
لم أعُدْ أذكر إنى كنت أطمحُ للعوده إلى قريتى " رجُلاً ذا شأن " ..
ذا مال و سلطه ، تجعل أبناء عمومتى يعضُّون أصابعهم و يقولون بحسره ..
" ليتنا لم نصِمه بالعبد ..
ليتنا احتويناه و ضممناه إلى صدورنا فى عطفٍ ومحبه .. ".
كل ذلك .. أراه يضيع الآن لأجد نفسى أدور فى حلقةٍ مفرغه رغم مرور السنين ..
و فى يقينى بضياع الحلم ..
ذلك اليقين الذى لم يعُدْ يقبلُ الجدل ..
أصبحتُ أحسُّ بأن عبئاً كبيراً رُفِع عن كاهلى ..
كنتُ مغتبطاً لأنى اكتشفتُ بعد مرور كل هذه السنين ، إنى كنتُ أُولى الأمر أكثر مما يستحق ..
و أن ذاكرتى التى أختزنت فى طياتها كل تلك اللحظات القاسية المريره , إختزَنتْ أيضاً كل قراءآتى السابقه فى الأدب والفلسفه والتاريخ ..
أصابتنى الدهشةعندما أدركتُ إنى أحفظُ - عن ظهر قلب - إلياذة " هومير " ..
وبحيرة " لامرتين " ..
و شِعر " طاغور " .. وأكاذيب " أوغستين " ..
كل ذلك تجلّى الآن بوضوحٍ جعل عينىَّ تدوران فى محجريْهما ..
و جعل قلبى يخفقُ , و أنفاسى تتلاحق .
بدأتْ تراودنى فكرة أن " أخلق " ذاتى من جديد ..
أن أكتب للناس عن عالمٍ حالمٍ يشيع فيه السلام ..
يقرأ الناس ..
فقط يقرؤون ..
دون أن يروا منِّى هذا الإهاب الأسود ..
جذَبتُ نحوى أريكتى المهترئه و أنا أمسح من ذاكرتى كل تلك الذكريات السخيفه ..
أمسكتُ القلمَ و بدأتُ أخطُّ بعض حروف ..
لم تعجبنى .. فطويتُ الورقة ..
كوَّرتها بقبضة يدى ثم قذفتُ بها ناحية الأرض ..
حاولتُ ثانية ..
وثالثه ..
و عندما هممتُ بِطَىْ الورقة الرابعه ، إذا بإسماعيل يتسلل إلى الغرفة على أطراف أصابعه
و يخطفها من يدى و يقولُ ضاحكاً :
- ماذا تكتبُ أيها الزنجى الأسود ؟ ..              
يرفعُ الورقة إلى أعلى و يقرأ بصوتٍ مرتفع :
" عديله ..
لم تهو يوماً وميض الجواهر ..
و لم تهو مجون الحفلات الراقصه ..
و التطلُّع عبر ثقوب النافذه ..
إلى فتية الحى .. مرتادى الطريق ..
فهى ..
إمرأةً لا ككل النساء
إمرأةً إستثنائيه ..
تذهبُ إلى المزارع عند الفجرِ
تقطفُ البرتقال ..
و تقطفُ العنب ..
و تغنِّى ..
تغنِّى بصوتها الملائكى الساحر ..
فتتِحلَّق من حولها الطيورُ تنصُتُ فى وقار
و يسكُنُ صفير الهواء
و تتجمَّع السحب
لتهدى الناس رذاذاً خريفياً . " .
   ضحك إسماعيل ضحكته المعهوده و قال :
- يا عزيزى .. عندما تموتُ هذه المرأة الإستثنائيه ، حتماً ستغيضُ الآبار ..
و تجفُّ الوديان
و تتشقق الأرض
لتهدى الناس مكاناً فى الجحيم .
   ضحك مرةً أخرى و هو يزيحُ القُرطاس , و دفاترى القديمه , و كتاب ’’ دستويفسكى ‘‘ عن الأريكة لتسقط على الأرضِ كيفما أتفق ليضع فى مكانها لفافةً كان يحملها فى يده و أردف :
- دعك الآن من هذا السخف و لنأكل هذه الساندوتشات .. إذا بَردَتْ أخشى أن لا أستسيغها فتصيبنى " فوبيا " الفول و أموت جوعاً لعدم وجود البديل .
   إسماعيل الذى وهبنى دون قصد حُلم أن أكون أديباً شهيرا ..
أراه الآن دون قصدٍ أيضاً يُقْبِرهُ بهذه السخرية اللاذعه ..
و لكن ضياع الحُلم هذه المرّة لم يشعرنى بالإحباط ..
لأنى أعتدتُ ضياع الأحلام .. و موت الأمنيات ..
 
 
 
   قدَّمَنى يوماً إلى أحد أصدقائه الطلاب بهذه العباره :
- هذا جوزيف .. خطيب سعديّه بائعة الساندوتشات .
فقال الفتى بميوعةٍ أدهشتنى :
- آه .. أخبرتنى سونا أن هنالك فتاةً " فيرى بيوتى " تجلسُ أمام بوابة الجامعه تبيع
‘‘ الهامبيرقر ’’ .. هل هذا خطيبها ؟ ..
فضربه إسماعيل بمرفقِه على صدره برفقٍ و قال محاكياً طريقته فى الحديث :
- ‘‘ نو دِيَرْ فِريند ’’ .. أنا لا اعنى مَيُّودَه ..
ثم مطَّ شفتيه و أردفَ متهكّماً بلهجةٍ غليظه :
- أنا أعنى سعديَّه .. تلك الفتاة البرميل التى تنتظرون ظهور شاربٍ كثيف تحت أنفها الأفطس .
قَطَعَتْ الحوار إحدى الطالبات , ترتدى بنطلوناً ضيِّقاً ، و تضع على عينيها نظارةً شمسيه و هى تُحَيِّى الفتى الذى ردَّ عليها بهزَّةٍ من أصابعه و إبتسامةٍ بلهاء ثم إلتَفَتَ الى إسماعيل و إتكأ عليه واضعَاً يده على كتفه قائلاً كمن إستدرك شيئاً :
- نسيتُ ان أخبرك أن " أُنكِلْ " حَمُّودى سيأتى من لندن بعد شهرين , و قد كلَّمتُ نجلاء و سَحَرْ و مادليْن أن يُعدّوا " بروقرام " .. إحتفاءً بهذه المناسبة ..
قاطعه إسماعيل مختصِراً بعَجَل بعد أن ملَّ الحديث :
- حسناً .. عَرِفْنا .. سأحضر أنا و صديقى جوزيف .. ‘‘  جاو  ’’ .
   إنصرفنا ..
إنطلقنا خارج الأسوار وقد بدأت أمعاؤنا تعوى ..
وقف إسماعبل أمام سعديّه ..
تناول ساندوتشاً دون إستئذان ثم أشار إليها قائلاً و هو يلوك لُقمةً بين فكَّيه :
- جوزيف ..
- نعم ..
- أتَرى هذه الفتاة ؟ ..
- أجل صديقي .. أراها .
- إذا خفَّ وزنها قليلاً .. و إتسعتْ عيناها و إقتربتا قليلاً .. و طال جيدها ، و رجَع للوراءِ قليلاً .. و تركتْ هذه البربريَّة التى تتصرَّف بها .. حَتْماً ستكون مشروعاً لزواجٍ ناجح .
   فتكوِّرُ سعديّه يدها و تضربه على جانب رِجله اليسرى فيقفزُ للوراء و يحْدِجها بنظرة ثم يبتسم قائلاً :
- أيها الملاك المرتقب .. هل تتزوجنى ؟ ..
   فتنهضُ من مقعدها و تجرى وراءه حتى تُقطع أنفاسها ..
تتوقَّف ..
تنفضُ طرف رِدائها بسخط ..
و إسماعيل يضحك ..
يضحكُ حتى يكاد ينكفىء على ظهره .
 
 
 
 
 
 
   كنت أرقبُ فى صمتٍ حكايات إسماعيل الخرافيَّه ..
و هى تتطوَّر مع مرور الزمن لتأخذُ شكلاً جديداً ..
بدأ يحكى حكايات أُناسٍ حقيقيين ..
إناسٌ إحترفوا الثّورة و خَطُّوا تاريخَ شعوب ..
بعضهم قاد بلاده إلى النّورِ .. و البعض الآخر أشاعَ الفوضى ، و لم يورِّثها سوى الخراب والدّمار ، و آمالاً إنهال عليها التراب لِتُقْبَر هناك .. وسط غاباتٍ وجبالٍ وسهولٍ و وهاد ..
كان من حوله طلابُ ينصتون ..
و طلّابٌ يشاركون فى الحديثِ بموضوعيّه ويزيدون إحتدام النقاش ..
و آخرون ينظرون من خلفِ إطار نظّاراتهم ببلاهةٍ كأن الأمر لا يعنيهم ..
و يملُّ الحديث أحياناً التداعى و الدوران فى حكايات الماضى التى طَمَرَها مرور الزمن ، و أتتْ من بعدها حكاياتٌ و حكايات , فيتطرّقُ من حين لحين لمشكلاتِ البلاد السياسيّه والإقتصاديه
و الإجتماعيّه .
- و لكن يا أخ إسماعيل , أنا أرى أن المشكِل الإقتصادى الذى يحاصرنا الآن لا يُرْجَع فقط إلى وقف المعونات و القُروض التى تُمطِرنا بها الدول الصديقة و المنظمات الرسميه والتطوّعيه , بل يُرجَع ايضاً إلى الثوره التى تحتدم هناك فى غابات الجنوب , خاصةً إذا علمنا أن الدولة تُخصّص جزءً ليس باليسير من ميزانيتها لإخمادِ تلك الثورة .
قال ذلك أحد الطلاب بحماس ثم أسترسل :
- و نحن إذا أردنا الخروج من هذا المأزق لا بُدّ ان ننعم بالسلام .. و السلام لا يأتى إلا بالحوار الجاد المتصل حول القضايا الإستراتيجيه ..
قاطعَه آخر بَدَا عليه السخط :
- يا عثمان .. جميعنا نعرف ذلك .. هذا الموضوع كما تعلم تطرَّقتْ إليه الصُحف و لاكتهُ أفواهُ الناسِ طويلاً حتى أفرغتْ محتواه .
قال آخرٌ بإنفعال :
- عن أىِّ حوارٍ جادٍ تتجادلون .. إن سياسيينا قد أبدوا حُسن النيَّه , و إجتمعوا بالطرف الآخر
و رفعوا الإجتماع دون الوصول إلى إتفاق , لأنّ الثوّار يريدون الإنفصال و إنشاء دولةً مستقلّه .
   لوى أحد الحضور عنقه و أنصرف قائلاً بلا مبالاه ( إذا أرادوا قطعة أرض لماذا لا نعطيهم إيَّاها ونتجنَّبُ كل هذا العناء . ) .
تجاهله المتكلِّم و واصل الحديث قائلاً :
- إخوتى ..
نحن إذا أردنا السلام لا بُدَّ أن تكون لنا قوَّه ..
قوَّةٌ ضاربه نستطيع بها إجتثاث الثورة من جذورها .
قاطع أحدهم منتفضاً و هو يشير إلي المتحدثِ بسخريَّه :
- الأخ يدعو لتصعيد الحرب .. أيّها الطلاب .. إن الأمر ليس بالسهولةِ التى تتحدّثون بها ..
إذا صعَّدنا الحرب كما يقول أخونا ، و مكَّنتنا قوَّتنا من إجتثاث الثوره فإنَّا بذلك نكون قد إرتكبنا حماقةً لن تغفرها لنا الأجيال القادمه , لأنَّا بذلك نكون قد كرَّسنا لإستمرارية الحرب .. فحتماً
سيأتى زعيم آخر و يقود إخواننا الجنوبيين إلى ثورةٍ جديده , ليست فقط لتحقيق المطالب التى يطرحونها الآن و إنما لنَيْلِ الثأر - أيضا ً- ..
نحن إذا أردنا السلام لا بدَّ أن نزيل مفاهيم سيادة " المندكورو " - كما يسميه الناس هناك -
.. نزيل إحساسهم بالإستعباد , و نسعى بِجِدٍّ لإزالة التباين العِرقى والثقافى , و نرسِّخ لمفاهيمٍ تمكِّن النّاس من العيشِ فى تسامحٍ وإخاء .
فقال إسماعيل و هو ينفضُ يديه بضجَر :
- أنتم تتكلَّمون .. فقط تتكلَّمون .. إن المفاهيم التى تودُّون إزالتها الآن كرَّسَ لها البيضُ على مدى خمسٍ وعشرون عاماً إبان فترة الإستعمار .
يضحكُ .. ثم يواصل بسخريَّه :
- تودُّون إزالتها الآن .. فى خمسٍ وعشرين دقيقه .. بالكلام ! ..
يسكت للحظةٍ ثم يواصل :
- ليس ثمَّة حلٍّ سوى الحرب .. الحرب هى قدَرَنا .. و إذا كُتِبَ علينا أن نقاتل لا بدَّ أن نقاتل كالرّجال , لا أن نجلس هنا ندرسُ كيمياء الذرَّه و فلسفة إفلاطون ونمشِطُ شعرِنا على طريقة مايكل جاكسون  .
شعرتُ فى تلك اللحظة إنى أمقته ، و وددتُ لو أنهالُ عليه ضرباً و أُخيطُ فمه للأبد ..
تقدَّمتُ خطوتين داخل الساحه .. قلتُ و أنا أرى الجميع يتطلَّعون إلىَّ بفضول :
- أستميحكم عذراً إخوتى فى أن أبدأ حديثى بحكاية أبى , فهو يشبهكم تماماً .. يرتدى جلّابيَّه ..
و يربط عُمَامَه .. و يضعُ بين حناياه قلباً أبيضاً نقيَّاً نقاء الحليب ..
 كان هناك فى حمأةِ الوغى , جنديَّاً يبحث عن السلام بفوهة البندقيه .
و بعد كل سنين القتال أراه الآن يترنَّح بين أزقَّةِ قرية أبونور برجلٍ من خشب ..
و أرى بلادى لم تزَلْ تمشطها طلقات الرصاص ، و يُغطّي صوتَها دوىُّ المَدافع .
أمى ..
شجرة أبنوسٍ ..
أتت من الجنوبِ حافية القدمين تبحثُ عن الأمان ..
بعد أن أقلقتْ الحربُ سكون الغابه فطلَّقتْ الثمار .. وساد الجوع ..
و إنتشر الخوفُ و الرعبُ و الموت .
والدىَّ .. إختارا الوحدة بمحض إرادتهما , دونما مؤتمراتٍ تُعقَد ، أو خُطَبٍ سياسيه تُقال .. تزوجا دون سابق وعْدٍ على ضفَّةِ نهر الجور , تحت واحدةٍ من الأشجارِ الإستوائيه ..
وقد كان المَهْر قطعةً من ثمارِ المانجو الطازج .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb