غروب

كتبها عبدالله هجو ، في 12 أغسطس 2007 الساعة: 11:16 ص

 

 
 
 
  
 
 تذكر أيام شبابه .. عندما كان فتياً يزرع صفحة المياه بمجدافيه القويين.. كان يدرك في قرارة نفسه أن سعيه بين الشط و الشط الآخر ليس أكثر من محاولة لجعلها نصب عينيه ..
فهو .. يحبها كثيراً ..
و مفتون بها حتى النخاع ..
كان يقضي ساعات ليله في انتظار مشوق ..
انتظارا لشروقها و مقدمها لتزين ساعات صباحه الأولي .. و تقضي بقية اليوم تجوب معه آفاق النهر ترقبه باعتزاز و هو يصطاد سمكةً تلو أخري .
   كان يحسب أن ( تغريد الطيور .. و شقشفة العصافير .. و دبيب الحياة في الحقول ..
و تفتح الأزهار .. و عبق الرياحين ) لم يكن أكثر من احتفاء بلقائهما الميمون.
مع شروقها ..
تتسلل خيوط الليل في حياء ..
كأنها تتواري خجلاً و خوفاً من اختلاس النظر إلي لقاء حبيبين .
لا تطيل عليه الانتظار ..
 سرعان ما تشرق ..
و ترسل إليه تحيةً يومية لا تخلو من إغراء ..
 

 

 

 
يحاول عبثاً أن ينالها فتتكسر هناك علي صفحة المياه بشيء من وميض ..
 فيلبس النهر فرحاً حلته الموشاة بالذهب و الفضة ..
يسخر منه ..
 و يقهقه ..
يقهقه حتى تصطدم أمواجه بالصخور .
فها هو ذا مرة أخري يختلس عنوةً تحية الصباح .. و يمسك عفواً ما يحاول الإمساك به عمراً بأكمله ..
كان وقع الصدمة عليه كبيراً عندما إكتشف أن حياته بكل ما فيها من سنين و أيام ..
و ساعات و ثواني ..
تعلق بها ملايين اللحظات البائسة الكئيبة ..
ستٍ و خمسون عاماً قضاها من عمره ..
مخلصاً لها ..
متفانياً في حبه و عشقه لها ..
ليكتشف بعد فوات الأوان إنها لاتحفظ الود ..
و لا تفي بالعهد ..
فقد كانت رغم أحاسيسه المرهفة تجاهها تغافله لتهب الضوء و الدفيء للجميع ..
عندما أدرك تلك الحقيقة القاسية ..
انقلبت حياته رأساً علي عقب ..
أنتابه الإحساس بأنها قد سرقت منه أحلي سنيِِ حياته .
 

 

 

 
و رغم إدراكه إنه قد أيقن مصرع حبها المجنون في قلبه إلا إنها دوماً تستفزََه بشروقها مع مقدم كل يوم جديد و تمارس علي مشاعره و أحاسيسه ساديةً موجعة ..
و رغم أن إحتفال الحب قد إنفض إلي غير رجعة ..
إلا أن الحقول لم تزل تواصل الإحتفاء ..
فتشقشق العصافير ..
و تتفتح الأزهار ..
و تعبق الرياحين .
و النهر ..
النهر لم يزل هناك حتي الآن يستأثر بتحية الصباح لتتكسر أشعتها علي موج لا يمل الهدير ..
فينتشي و يلبس حلته الموشاة بالذهب و الفضه ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مدينة تحجبها أبخرة من ضباب

كتبها عبدالله هجو ، في 8 أغسطس 2007 الساعة: 02:11 ص

 
 
 
 
 
 
 
على ضفة النيل الممتد أمامى
ترتطمُ الأمواجُ بالصخورِ..
تمنَّيتُ أن أكون قطرةً من رذاذ
تطيرُ فى الهواء
وتعودُ الى الماء ..
تتبخر ..
تصبحُ سحبا ..
تهطلُ غيثا ..
وتظلُّ هكذا بين السماء والأرض فى مشوارها الأبدى .
متى كانت آخر مرةٍ غنيت فيها لحناً للربيع ؟
لاأذكر ..
    أردتُ أن أخرج بأغنية رددت مقاطعها فى صباى فلم يطعنى الخروج ..
فهذه العتمة التى تسكننى تطير الحروف , وتدهن اللحن بالفتور والنشاز .
 ذهبتُ إلى إمرأةٍ حمقاء إصطفيتها
كانت ترأف بى , تعطينى بالمجان ما يناله البعض بحفنةٍ من المال تصلح به شئونها , شكوتُ إليها هجران أغاني الربيع ..
إبتسمتْ أيضاً , إبتسامة صفراء باهتة المعالم ثم أشارتْ لى بمقابلة الطبيب ..
-هل تعرفه ؟ ..
-نعم أعرفه .. فقد رأيته أكثر من مرةٍ يخرج من عيادةٍ فى أقصى يسار الشارع.. ولكن …
-ولكن ماذا ؟ ..
-كان يسير وهو يفرد منكبيه ويمد أنفه فى الفضاء .. أخشى أن أذهب إليه فأجد هبوب الريح أطاره إلى أفقٍ بعيد .
جذبتنى من أذنى للخارج ثم صفقت الباب فى وجهى وهى تقول :
-لن يطير ..
        عندما إقتربتُ وجدتُ عربات فارهة تزحم المكان وتعبُّ خياشيمها نسمات الليل الصافية النقيَّه .. هكذا يعيش الناس اذاً ..
يركبون هذا الشىء وينهبون الأرض جيئةً وذهابا .
   وجدتهم يجلسون على أرائك خشبيه , بعضهم يضع بطنه المترهل على فخذيه ويتنفس ..
بأنفه ..
وفمه ..
وأذنيه .. فشعرتُ بالإختناق .
   تجاوزتُ الصبى الجالس خلف المكتب يكتب شيئاً فارتسمت الدهشة على وجه البعض والبعض الآخر إنزوى فى ركنٍ قصى .
   وعندما وقفت أمام الطبيب هتفت :
-          لا تهرب أيها الجندى القذر .. قف مكانك .. أطلق الرصاص ولا تتركنى وحيداً , فأنا أخاف عواء الذئاب .. سيدى الطبيب , لحيتى تؤلمنى .
ذُهِلَ الطبيبُ للحظه فجذبت لحيتى إلى أسفل ثم إزدردت ريقى وقلت :
          - نعم .. تؤلمنى .
بقيتُ فى العيادة وحيداً بعد أن أطلق الجميع سوقهم للريح , كان صدرى يعلو ويهبط , وأنفاسى تتلاحق و رأسى يكاد أن ينفجر فجلستُ على كرسى الطبيب ومددتُ رجلىَّ على سطح المكتب ..
إنتابتنى رغبةٌ جارفه لإلتهام السماعة ومطفأة السجاير فحققت نصف رغبتى ونمت .
   لا أدرى كم من الساعات مضى .. ولكنى أدرى تماماً أن هذا المكان الذى أجد نفسى فيه الآن مكان غريب , مكان أشبه بالصمت الغائر فى أعمق أغوار العين .. جدرانه الكئيبة وأرضه الصلبه تنشر فى نفسك شعوراً مقيتاً يثير الإشمئزاز .
تلفّتُ ..
كنت أود أن أقول شيئاً , أوأكتب شيئاً , أو أفعل شيئاً , لا أدرى بالتحديد ..
مددتُ يدى لأتأكدمن وجود هذا الإحساس الخطير , وإنهم لم ينتزعوه منى كما إنتزعوا القفطان التأريخى ليلبسونى هذه الجبَّة البيضاء التى تهيجنى . شعرتُ بالنشوة تغمرنى من جديد .. إنه موجود ولم يصلوا إليه بعد ..
تربَّعتُ على المنضده التى تتوسط الغرفه و وددتُ لو أحكم العالم من هذا المكان ..
أولاً ..
   سأنتزع ………….. من أصابع ………….. و ألجم لسانه للأبد ..
ثانياً ..
-          ماهذه الجلبةالتى تحدث بالخارج ؟!! . يا حاجب .. دعه يدخل , لا شك لديه شكوى .
     خمسة أفراد دخلوا دفعةً واحده ..
خطوط الوجه ولحيتهم تشى بأنهم إختلقوا مشكلةً فى الشرق الأوسط .. لا بأس سأعدمهم جميعاً..
-          يا سيَاف ..
   أتوا نحوى وأمسكونى بقوة ثم غرسوا فى إليائى إبراً أفرغوا محتواها بالداخل .. وغرقت فى الصمت عليهم اللعنه , ألم يجدوا سوى هذا المكان ؟
   عندما صحوتُ أحسستُ برأسى ممتلئاً بفراغ .. كانت أولى الأفكار التى عنت له فى تلك اللحظه أن يستمر فى النوم .. النوم هو الحل الوحيد الذى إهتدى إليه لهزيمة الجسد الذى هدَّه الرهق والتعب,
     ولكن حتى ذلك لم يطعنى بالشكل الذى أريد . إذ سرعان ما أحسست بالملل .. والسخط والحنق على السقف الأبيض الذى يتمدد فوقى .. تدحرجت على السرير ووجدت فى ذلك متعه .. سقطتُ من فوقه وأحسست برأسى يدور , أطلقتُ مجموعةً من الألفاظ النابيه وغمرتُ البلاط بسيل من الشتائم , ثم رفعتُ شرشف السرير ونظرتُ تحته وهززتُ رأسى مؤكداً :
-لا شىء .. كما توقعت تماماً لا شىء بالأسفل  .
بلا سبب تذكرت الخمسه الذين أفرغوا فى شرايينى ماءً آسناً أخار قواى وأسقطنى من فوق العرش ..
عندما أعود سآمر بسجنهم مع أبى فى غرفةٍ تحت الأرض .. سأقتلع أظافرهم وأدق فى عنق كل واحدٍ منهم مسماراً صدئاً .. سأعذبهم حتى يجدون فى الموت رحمةً بهم .
نهضتُ ..
وقفتُ على رجلى بصعوبه .. ثم تركت جسدى النحيل يترنح حتى إصطدم بشخصٍ يقف جوار الباب ..
لم أفطن إلى وجوده .. يبدو إنه دخل للتوِّ .. أمسكنى من كتفى وأخذ يجهشُ بالبكاءِ بصورةٍ هستيريه ..
-محمود ..
         محمود ..
       إنها إمرأه !!..
   .. ظلَّتْ تبكى بحرقةٍ وأنا على صدرها بقايا إنسان , أحاول جاهداً إلتقاط أنفاسى من بين حناياها ..
      دلف إلى الغرفة رجل بدين لا أكاد أتبين ملامحه .. تلاه آخر وآخر , شعرت بالخوف والهلع وأنا أرى الناس يملئون علىَّ الفراغ , فأمسكتُ يد الفتاة بقوه وأحتميتُ خلف ظهرها .. إنها تملك شعراً طويلاً ناعماً يكفى لأن يغمرنى بظلمته للأبد ..
-دعونا الآن .. أتركونا لوحدنا .
قالت ذلك وهى تشدُّ على يدى مطمئنه .
قال أحدهم :
-سناء .. دعينا نعيده إلى المصحه , فهناك سيجد الرعاية والعلاج اللازمين .
        شعرتُ بأنى أكرهه .. و وددتُ لو أبصق على وجهه بصقتين .
    كانت هذى الوجوه تطاردنى , بين الأزقَّةِ والحوارى , وأنا ألهث , وهى تلاحقنى بضحكاتها المجلجله التى تصمُّ أذنى ..
فها هى ذى توقع بى .. بين جدرانٍ أربع تسد الطريق ..
وأنا أراهم أمامى ..
على عيونهم نظرةً مقيته تهيج الغثيان ..
رثاء .. رثاء .. رثاء .
  تذكرتُ واحده .. ( سكينه ) الصماء البكماء بائعة الآيسكريم ..
وتذكرتُ أيضاً إنى مدين لها بخمسة وعشرون قرشاً ..
إنها لا تسمع .. ولا تتكلم .. رأتْ الناس ينصرفون فانصرفت .
-لقد بقينا لوحدنا الآن .. إجلس ودع عنك هذا الخوف فأنا سناء .
نظرتُ إليها نظرةً ممزوجةً بالشك والريبه فطمأنتنى بعيونها المملوءة ثقةً وأجلستنى على حافة السرير
-ألم تعرفنى ؟ ..
لم أجبها بشىء , جلست إلى جوارى , أمسكت يدى بحنو , غلبها الإنفعال فارتمت على حجرى تبكى .
بكيتُ أيضاً .. كانت أجسامنا تهتز كعصفورين يبحث كل منهما بين جناحى الآخر عن أمان من عصف الرياح وقصف الرعود وزيف المطر .
لم أكن أعلم أن النساء يحملن كل هذا القدر من الدفىء والحنان ..
 بدأ الناس يتقاطرون الى الغرفة من جديد ففتحت عينى المملوءة سحباً وضباب , رأيت ثلاثةً منهم , صوراً مهتزة غير واضحة المعالم , تجاوزتها وأغمضت عينى مرة أخرى كأنى لا أود الإفلات .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الذهب أيضاً .. يصدأ

كتبها عبدالله هجو ، في 16 أغسطس 2007 الساعة: 18:53 م

 
   ’’ .. هذا الفتى .. أخبرناه مراراً أن يترك لنا عنواناً ولكنه كعادته دائماً لا يأبه للأمر .. يأتى إلى هنا , ويؤدى عمله الروتينى فى نظافة المكتب , وفتح النوافذ , ثم ينزوى على كرسى يبقى به لساعاتٍ طويله يطالعُ قصاصات الورق التى يحشو بها جيوبه .. إسبوعاً بالتمام لم يشرِّفنا بالحضور .. منتهى اللامبالاه و قمَّة اللا مسئوليه … ‘‘ .
   و بينما أنا أُكلِّمُ نفسى إذا به يقفُ أمامى متسمِّراً بوجهه العبوس , وتلك التقطيبة التى يحملها فوق حاجبيه .. وشتْ ملامحه ببعض التردد إستدار على إثره دون أن ينطق بكلمه فإنتهرته وأنا أشعرُ بأرنبة أنفى تتوهَّجُ غضباً :
- عباس ..
فوجىء ..
و توقَّفَ دون أن يلتفتُ نحوى فواصلتُ بلهجةٍ حادّه و أنا أنظرُ إليه من فوق إطار النظَّاره :
- إسطبلْ ؟ ! .. تأتى متى تشاء .. تدخلُ و تخرجُ دون أن تستأذن هذا الحمار .. فوضى .. أليس كذلك ؟ ..
   كانت تلك هى المرَّة الأولى التى أحتدُّ فيها بوجهه ..
إلتفتَ نحوى ..
تقلَّصتْ قسماته للحظةٍ ثم تمتم :
- عفواً يا أستاذ عبدالكريم .. وددتُ فقط أن أعتذر .
صعقتنى العباره .. نهضتُ من كرسىَّ الذى أجلسُ عليه بعد أن توقَّعتُ وفقاً لمعرفتى بعناده , أن يشعلها ناراً و يخرج دون أن يلقى تحيَّة الوداع .
دعوته للجلوس بإشارةٍ من يدى فلم يُطِعْ , ظلَّ واقفاً و هو يسترقُ نظرةً مليئةً بالشكِّ و الريبه
شجَّعنى ذلك على الصراخِ بوجهه :
- قلتُ ، إجلس ..
فقال وقد عادتْ إليه فظاظة طبعه :
- إذا كنتُ ستطردنى ليس ثمَّة ما يدعو للجلوس .. دعنى أنصرفُ بصمت حتى لا تسمعُ منى ما يسوء .
لويتُ شفتىَّ ثم رددتُ كلامه متهكماً :
- حتى لا تسمعُ منى ما يسوء .
رميتُ بجسمى على الكرسى و إعتدلت فى جلستى ثم أردفتُ و أنا أحاولُ أن أضفى على لهجتى بعض الوُدِّ :
- أنتَ دائماً هكذا .. فتى صعبُ المراس .. ليس أمامى سوى أن أقبلك على عِلَّاتك تقديراً لظروفك , و لكن أخى .. إعطنى الإحساس بأنك تولى عملك بعض الإهتمام .
جلسَ على الكرسى قائلاً و قد إرتَخَتْ حبال وجهه :
- أنا أهتمُّ للأمر يا أستاذ عبدالكريم و لكن هنالك أسباب موضوعيه منعتنى من المجىء ..
فقلتُ بنبرةٍ قويَّه كأنى أقطعُ عليه فرصة الإسترسال فى الحديث :
- ليس بيننا من ليس لديه مثل هذه الأسباب و لكنَّا دائماً نأتى .. نضعُ خلفنا كل هموم الدنيا .. لإيماننا بأن العمل عباده , وأن من أخذ الأجر حوسِبَ بالعمل .. و أنت كما ترى , توفى أجرك كاملاً .. دون نقصان .
   فَرَدْتُ كفِّى ثم أردفتُ بلهجةٍ آمره :
- تفضَّلْ الآن .. خُذ هذه الملفات للداخل و أعدد لنا كوباً من الشاى .
   عندما إنصرف كنتُ أحسبُ أن الأمر قد تمَّ حلِّه بشكل ٍمثالى فأشعرنى ذلك ببعض الإرتياح و زاد من يقينى فى أن هنالك بعض القضايا يُمكن أن تُحَلُّ بلينٍ ولُطف دون الحاجة للجوء لوسائلٍ تأديبيه .. و لم تمضِ سوى أيام حتى تبيَّن لى خطأ ظنِّى , إذ إنه عاد ليمارسُ عادته القديمه .. سبع أيامٍ تمضى دون أن يطلُّ .. فظللتُ أكتم الغيظ و أنا أنتظرُ مجيئه بفارغ الصبر .
   و فى اليوم الثامن أتيتُ مبكِّراً كعادتى .. وجدته يقفُ أمام الباب و يستقبلنى بإبتسامةٍ قلَّما كنتُ أراها على شفتيه .. تجاوزته ببضع خطوات صرتُ بعدها داخل المكتب .. تظاهرتُ كأنى لم أره , أو لم أفطن إلى وجوده فجاء خلفى يسعى ..
وقفَ أمامى صامتاً كعادته ..
تجاهلته للحظاتٍ ثم قُلْتُ ووجهى ينذرُ بعاصفةٍ هيجاء :
- أين كُنْت ؟ ..
لم يتفوَّه بكلمه ..
- ألا تسمع ؟ .. هل أصابكَ صمم ؟ ..
فلزم الصمت كأنى أُحدِّثُ شخصاً آخر ..
ظللتُ أُهدِّدُ و أتوعَّدُ خمسه دقائق و هو يقفُ أمامى مطأطئاً رأسه دون أن ينطقُ ببنتِ شِفَّه ..
كنتُ أنوى طرده عقاباً على تلك اللامبالاه وذاك التصرُّف اللامسئول , و لكن صمته جعلنى أتمهَّلُ قليلاً لأكتفى بإستقطاع أجر عشره أيام من مرتَّبه .. وما هى إلا لحظات حتى أصابتنى الدهشه .. أهالنى هذا الإستسلام الذى تعامل به الفتى .. و قبوله للعقوبةِ دون جَدَلْ ..
ماذا دهاه ؟ ! ..
لقد كان فيما مضى صلباً عنيداً ..
فصيح اللسان .
إستوقفته و هو يتلمَّسُ طريقه للخارج عند نهاية ذاك اليوم وقلتُ بعطفٍ أبوىٍّ يحملُ فى داخله بعضاً من إشفاق :
- لقد أسقطتُ عنك العقوبه هذه المرَّه و لكن أتمنى ألا تكرر ذلك مستقبلاً ..
فأجاب بهزَّةٍ من رأسه , و إنصرف .
بقيتُ بالمكتبِ بعد إنتهاء الدوام حتى بدأ المغيبُ يلفُّ بظلاله الأشياء من حولى ..
لم تكُن لدىَّ الرغبة فى الإنصراف و أنا أرى ساعة الحائط القديمه المعلَّقه على الجدار
 و المتوقِّفة عند السادسة أُثنىْ عشره عاماً توشِكُ على السقوط ..
لا أدرى لماذا يخالجنى الإحساس بالعجز كلما حانت منى إلتفاتة نحو هذه الساعه ..
كأنى أُحسُّ إرتباطها بقَدَرى مثلما أُحسُّ بهذا الضعف الذى بدأ يجتاحُ أوصالى ..
شِختُ ..
شِختُ و لم تعُدْ قوَّاى تحتمل المزيد ..
فها هى ذى أُثنى عشره عاماً تمرُّ وأنا هنا .. رئيساً لقسم المحفوظات .
تذكَّرتُ بدايتى الأولى عندما تمَّتْ ترقيتى للمجوعة السادسه , و كم كنتُ سعيداً أن أكونُ رئيساً لقسم ..
سرعان ما تلاشتْ هذه السعادة عندما أستلمتُ مهامى الوظيفية الجديده .. إذ أدركتُ أن القسم لم يكن به سوى عاملٍ واحد .. حَمَّال .. له ظروف إستثنائيه تجعل أمر مجيئه يومياً ضرباً من ضروب المستحيل .. و كان أن أرسلتُ خطاباً لشئون العاملين أطلبُ فيه إلحاق عامل آخر بالقسم .. عامل يساعدنا فى تصنيف الملفات و ترتيبها و وضعها فى مكانها الصحيح ..
تجاهلوا الأمر ..
أرسلتُ آخراً وآخر حتى وصل عدد الخطابات ثلاثاً وستون ..
إستجابوا بعد مضى ثمانيه سنوات ليرسلوا لنا عم إسماعيل الخفير .. رجلٌ هَرِم أخذ منه الزمان الكثير فأصبح يسيرُ على ثلاثة أرجل ..
أشفقتُ عليه فأوكلتُ له أعمال الحراسه و لأُعالج أنا أمر هذه الملفات بصبرٍ وأناه .
   أدركتُ أيضاً بعد مجيئى إلى هنا أن نقلى قد تمَّ إثرَ وشايةٍ أسرَّ بها أحد الكائدين , فآثَرْتُ الصمت و الإحتساب , و تمنيتُ لو إنِّى تعلمتُ هذه الحكمة منذ أمد بعيد .. لِما وصَلَ بى الحال إلى هذا البؤس ..
و الآن ..
أوقِنُ تماماً أن إعتراضى على بعض المخالفات المالية بالمنشأه هو الذى جعلهم ينقلوننى إلى هنا ..
على هذا المكان الذى يرسلون إليه نفايات الدفاتر و المستندات ولا يعودون إليها مرَّةً أُخرى .. حتى أنا .. أصبحتُ مع مرور الزمن جزءٌ مما حولى .. هيكلاً قديماً عفا عليه الزمن .
تدرَّجَ زملائى على السلَّمِ الوظيفى و أصبحوا يشغلون أهمَّ المراتب ..
يركبون السيارات الفارهة ..
يسكنون العمارات الشامخه ..
و يرسلون أبناءهم للمدارس الأجنبيه ..
و أنا هنا .. أعملُ بصبر .. أجلسُ بدرجتى السادسه على هذا الكرسى أُثنى عشره عاماً .
كلما صدَرَ كشفٌ للترقيات وجدتنى أنتظرُ مكتوباً يهنئنى بالصعود ..
يطولُ إنتظارى ..
أحملُ نظارتى و أجرُّ رِجْلَىَّ متعثراً نحو لوحة الإعلانات .
و ما أن أطَّلِعُ على الكشف حتى يصيبنى الدوار ..
و أُحسُّ بخيبة الأمل و مرارة الظلم تتسرَّبان إلى دواخلى .. ’’ هؤلاء الملاعين .. يصرّون على إستفزازى بهذا الوضع المذرى , لا بأس سأشكوهم للمدير العام ..
و أؤكدُ إستحقاقى للترقيه .. ‘‘ .
   و مثلما أفعلُ كل عام أجلسُ إلى جوار مدير المكتب الذى يتجاهلنى بدوره فترةٍ ليستْ بالقصيره , ثم يلتفتُ نحوى بلا إهتمام .. يسألنى عن أمرى و هو يقلِّبُ بعض الأوراق التى أمامه .. و فى أثناء حديثى يقاطعنى مستأذناً ليردُّ على التليفونِ حيناً و ليخفضُ أزيز جهاز التكييفِ حيناً آخر , ثم يعود لينحنى نحوى بلُطْفٍ و هو يقول بطريقةٍ لبِقَه :
- نعم يا أستاذ .. لماذا تريدُ مقابلة المدير العام ؟ .
فأعود لأبدأ الشرح من جديد .
و فى نهاية الأمر يعتدلُ فى جلسته و يرفعُ سمَّاعة التليفون :
- الأستاذ عبدالكريم بطرفنا الآن و يودُّ مقابلة سعادتكم .
- قلتَ مين ؟ .
- عبدالكريم سعادتك ..
- عبدالكريم مين ؟ .
- عبدالكريم النور ..
فيردد الإسم و هو يقلِّبُ صفحاتَ ذاكرته :
- عبدالكريم النور .. عبدالكريم النور .. عبدالكريم ال .. آه تذكرتُ الآن .. رئيس قسم المحفوظات , أليس كذلك ؟ .
- نعم سيدى ..
- أخبره بإنى مشغولٌ الآن .. دَعْه يأتى فى وقتٍ آخر .
  كان ينتابنى شعورٌ باليأسِ ..
الحِنْقِ ..
و الغيظ ..
ينتابنى إحساسٌ بالقهرِ والظلم و أنا أرى كرامتى تُهرَقُ أمام عينى فى وضح النهار ..
ينسونى دائماً ..
مثلما ينسون الدفاتر و المجلدات و المستندات التى يبعثون بها إلَىْ ..
هكذا الأمر إذاً ..
كل ما يرسلونه إلى هنا يصبحُ فى طىِّ النسيان .. حتى و إن كان هذا المُرسَلُ بَشَراً ..
إنساناً من لحمٍ و دم .
و هكذا .. بدأ يداخلنى اليقين بأنى سأقضى بقيَّة عمرى هنا و بهذه الدرجة الوظيفيَّه .. لأنهم بالطبعِ لن يتذكروا إحالتى للمعاش عند بلوغى سن التقاعد ’’ الإجبارى ‘‘ ..
و منذ ذلك الوقت بدأتُ أحاول تهيئة المكتب مستعيناً ببعض المال الذى يبعثُ به إبنى بالخارج فأدفعُ منه راتب ’’ عباس ‘‘ .. ذلك الشاب المتسيِّب الذى أستخدمه فى أعمال النظافه
و إعداد الشاى والقهوه بغرض طرد السأم والملل الذى ألقى بعَصَاه فى هذا المكان .
   الجو هنا له رائحه ..
ذلك أوَّلُ ما يتبينه المرءُ عند دخوله قسم المحفوظات – مقبرة الأوراق , و الآدميين , و آلاف القضايا التى تخصُّ العاملين بالمنشأه – حتى إننى بدأتُ أشكُّ فى أن هذه الرائحه صبَغَتْ أنفاسى ..
و إحساسى ..
و أحاديثى مع الآخرين .
أصبحتْ تلك الأحاديث – على قَِّلتها – لا تُثيرُ إهتماماً ..
بدأتْ تصدأ ..
تتآكلُ يوماً بعد يوم .. فلم تَعُدْ تعدو مجرَّد أحاديثٍ سمجه لا تطيقها الآذان .
- عباس .. أنا لا أودُّ التدخُّل فى شئونك , و لكن .. هناك بعض الأسئلة التى تعصفُ بذهنى .. أُحِسُّ أحياناً بأنَّك تحملُ همَّاً يصعُبُ معه الإحتمال .. أراه على تلك الشعَرَات البيض التى تلمعُ على فوديْك .. أراه هنا خلف هذا العبوس الذى تدهنُ به ملامح وجهك , تبدو صارماً رغم صِغَر سنِّك .. صرامةً لا يستطيع الرجُل أن يملأ فيها عينيه مرَّتين .. ماذا بِك ؟ .
قلتُ له ذلك لأدراكى بوعى أن دواخل هذا الشاب مسكونةً بإحباطٍ قاسٍ يثيرُ الشفَقَه .. كُنتُ أرجِّح أنما يعيشه عباس الآن ’’ أزمة جيل كامل ‘‘ ..
جيلٌ خرج إلى الدنيا و وجد نفسه مُحاطاً بضائقةٍ يصعبُ منها الإفلات .. و علمتُ فى تلك اللحظة أن التقطيبة التى تسكنُ جبينه , مَرَدّها إحساسٌ بمسئوليَّةٍ جسيمه ظلَّ يحملها على عاتقيه مائة وعشرون شهراً و نيف .
إنه يكفل أسرةً لا تعرفُ الإبتسام ..
ينفقُ على إخوته منذ ان هاجر أبيه طلباً للرزقِ فاستمرأ العيش هناك و طاب له المقام , فى بلدٍ يستجدى فيه المرءُ قوته بالذلِّ والإهانه .
- يا بُنَىْ ..
أنتَ ما زلتُ فى مُقتبلِ العمر ..
إعمل بجِدٍّ وتفاءل ..
إذ ليس فى الدنيا ما يدعو للعبوس ..
كلُّ إنسانٌ منَّا له نصيبٌ فى الحياه .. له رزقٌ سطَّره الله منذ الأزل , قبل بدء الخليقه ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb