’’ .. هذا الفتى .. أخبرناه مراراً أن يترك لنا عنواناً ولكنه كعادته دائماً لا يأبه للأمر .. يأتى إلى هنا , ويؤدى عمله الروتينى فى نظافة المكتب , وفتح النوافذ , ثم ينزوى على كرسى يبقى به لساعاتٍ طويله يطالعُ قصاصات الورق التى يحشو بها جيوبه .. إسبوعاً بالتمام لم يشرِّفنا بالحضور .. منتهى اللامبالاه و قمَّة اللا مسئوليه … ‘‘ .
و بينما أنا أُكلِّمُ نفسى إذا به يقفُ أمامى متسمِّراً بوجهه العبوس , وتلك التقطيبة التى يحملها فوق حاجبيه .. وشتْ ملامحه ببعض التردد إستدار على إثره دون أن ينطق بكلمه فإنتهرته وأنا أشعرُ بأرنبة أنفى تتوهَّجُ غضباً :
- عباس ..
فوجىء ..
و توقَّفَ دون أن يلتفتُ نحوى فواصلتُ بلهجةٍ حادّه و أنا أنظرُ إليه من فوق إطار النظَّاره :
- إسطبلْ ؟ ! .. تأتى متى تشاء .. تدخلُ و تخرجُ دون أن تستأذن هذا الحمار .. فوضى .. أليس كذلك ؟ ..
كانت تلك هى المرَّة الأولى التى أحتدُّ فيها بوجهه ..
إلتفتَ نحوى ..
تقلَّصتْ قسماته للحظةٍ ثم تمتم :
- عفواً يا أستاذ عبدالكريم .. وددتُ فقط أن أعتذر .
صعقتنى العباره .. نهضتُ من كرسىَّ الذى أجلسُ عليه بعد أن توقَّعتُ وفقاً لمعرفتى بعناده , أن يشعلها ناراً و يخرج دون أن يلقى تحيَّة الوداع .
دعوته للجلوس بإشارةٍ من يدى فلم يُطِعْ , ظلَّ واقفاً و هو يسترقُ نظرةً مليئةً بالشكِّ و الريبه
شجَّعنى ذلك على الصراخِ بوجهه :
- قلتُ ، إجلس ..
فقال وقد عادتْ إليه فظاظة طبعه :
- إذا كنتُ ستطردنى ليس ثمَّة ما يدعو للجلوس .. دعنى أنصرفُ بصمت حتى لا تسمعُ منى ما يسوء .
لويتُ شفتىَّ ثم رددتُ كلامه متهكماً :
- حتى لا تسمعُ منى ما يسوء .
رميتُ بجسمى على الكرسى و إعتدلت فى جلستى ثم أردفتُ و أنا أحاولُ أن أضفى على لهجتى بعض الوُدِّ :
- أنتَ دائماً هكذا .. فتى صعبُ المراس .. ليس أمامى سوى أن أقبلك على عِلَّاتك تقديراً لظروفك , و لكن أخى .. إعطنى الإحساس بأنك تولى عملك بعض الإهتمام .
جلسَ على الكرسى قائلاً و قد إرتَخَتْ حبال وجهه :
- أنا أهتمُّ للأمر يا أستاذ عبدالكريم و لكن هنالك أسباب موضوعيه منعتنى من المجىء ..
فقلتُ بنبرةٍ قويَّه كأنى أقطعُ عليه فرصة الإسترسال فى الحديث :
- ليس بيننا من ليس لديه مثل هذه الأسباب و لكنَّا دائماً نأتى .. نضعُ خلفنا كل هموم الدنيا .. لإيماننا بأن العمل عباده , وأن من أخذ الأجر حوسِبَ بالعمل .. و أنت كما ترى , توفى أجرك كاملاً .. دون نقصان .
فَرَدْتُ كفِّى ثم أردفتُ بلهجةٍ آمره :
- تفضَّلْ الآن .. خُذ هذه الملفات للداخل و أعدد لنا كوباً من الشاى .
عندما إنصرف كنتُ أحسبُ أن الأمر قد تمَّ حلِّه بشكل ٍمثالى فأشعرنى ذلك ببعض الإرتياح و زاد من يقينى فى أن هنالك بعض القضايا يُمكن أن تُحَلُّ بلينٍ ولُطف دون الحاجة للجوء لوسائلٍ تأديبيه .. و لم تمضِ سوى أيام حتى تبيَّن لى خطأ ظنِّى , إذ إنه عاد ليمارسُ عادته القديمه .. سبع أيامٍ تمضى دون أن يطلُّ .. فظللتُ أكتم الغيظ و أنا أنتظرُ مجيئه بفارغ الصبر .
و فى اليوم الثامن أتيتُ مبكِّراً كعادتى .. وجدته يقفُ أمام الباب و يستقبلنى بإبتسامةٍ قلَّما كنتُ أراها على شفتيه .. تجاوزته ببضع خطوات صرتُ بعدها داخل المكتب .. تظاهرتُ كأنى لم أره , أو لم أفطن إلى وجوده فجاء خلفى يسعى ..
وقفَ أمامى صامتاً كعادته ..
تجاهلته للحظاتٍ ثم قُلْتُ ووجهى ينذرُ بعاصفةٍ هيجاء :
- أين كُنْت ؟ ..
لم يتفوَّه بكلمه ..
- ألا تسمع ؟ .. هل أصابكَ صمم ؟ ..
فلزم الصمت كأنى أُحدِّثُ شخصاً آخر ..
ظللتُ أُهدِّدُ و أتوعَّدُ خمسه دقائق و هو يقفُ أمامى مطأطئاً رأسه دون أن ينطقُ ببنتِ شِفَّه ..
كنتُ أنوى طرده عقاباً على تلك اللامبالاه وذاك التصرُّف اللامسئول , و لكن صمته جعلنى أتمهَّلُ قليلاً لأكتفى بإستقطاع أجر عشره أيام من مرتَّبه .. وما هى إلا لحظات حتى أصابتنى الدهشه .. أهالنى هذا الإستسلام الذى تعامل به الفتى .. و قبوله للعقوبةِ دون جَدَلْ ..
ماذا دهاه ؟ ! ..
لقد كان فيما مضى صلباً عنيداً ..
فصيح اللسان .
إستوقفته و هو يتلمَّسُ طريقه للخارج عند نهاية ذاك اليوم وقلتُ بعطفٍ أبوىٍّ يحملُ فى داخله بعضاً من إشفاق :
- لقد أسقطتُ عنك العقوبه هذه المرَّه و لكن أتمنى ألا تكرر ذلك مستقبلاً ..
فأجاب بهزَّةٍ من رأسه , و إنصرف .
بقيتُ بالمكتبِ بعد إنتهاء الدوام حتى بدأ المغيبُ يلفُّ بظلاله الأشياء من حولى ..
لم تكُن لدىَّ الرغبة فى الإنصراف و أنا أرى ساعة الحائط القديمه المعلَّقه على الجدار
و المتوقِّفة عند السادسة أُثنىْ عشره عاماً توشِكُ على السقوط ..
لا أدرى لماذا يخالجنى الإحساس بالعجز كلما حانت منى إلتفاتة نحو هذه الساعه ..
كأنى أُحسُّ إرتباطها بقَدَرى مثلما أُحسُّ بهذا الضعف الذى بدأ يجتاحُ أوصالى ..
شِختُ ..
شِختُ و لم تعُدْ قوَّاى تحتمل المزيد ..
فها هى ذى أُثنى عشره عاماً تمرُّ وأنا هنا .. رئيساً لقسم المحفوظات .
تذكَّرتُ بدايتى الأولى عندما تمَّتْ ترقيتى للمجوعة السادسه , و كم كنتُ سعيداً أن أكونُ رئيساً لقسم ..
سرعان ما تلاشتْ هذه السعادة عندما أستلمتُ مهامى الوظيفية الجديده .. إذ أدركتُ أن القسم لم يكن به سوى عاملٍ واحد .. حَمَّال .. له ظروف إستثنائيه تجعل أمر مجيئه يومياً ضرباً من ضروب المستحيل .. و كان أن أرسلتُ خطاباً لشئون العاملين أطلبُ فيه إلحاق عامل آخر بالقسم .. عامل يساعدنا فى تصنيف الملفات و ترتيبها و وضعها فى مكانها الصحيح ..
تجاهلوا الأمر ..
أرسلتُ آخراً وآخر حتى وصل عدد الخطابات ثلاثاً وستون ..
إستجابوا بعد مضى ثمانيه سنوات ليرسلوا لنا عم إسماعيل الخفير .. رجلٌ هَرِم أخذ منه الزمان الكثير فأصبح يسيرُ على ثلاثة أرجل ..
أشفقتُ عليه فأوكلتُ له أعمال الحراسه و لأُعالج أنا أمر هذه الملفات بصبرٍ وأناه .
أدركتُ أيضاً بعد مجيئى إلى هنا أن نقلى قد تمَّ إثرَ وشايةٍ أسرَّ بها أحد الكائدين , فآثَرْتُ الصمت و الإحتساب , و تمنيتُ لو إنِّى تعلمتُ هذه الحكمة منذ أمد بعيد .. لِما وصَلَ بى الحال إلى هذا البؤس ..
و الآن ..
أوقِنُ تماماً أن إعتراضى على بعض المخالفات المالية بالمنشأه هو الذى جعلهم ينقلوننى إلى هنا ..
على هذا المكان الذى يرسلون إليه نفايات الدفاتر و المستندات ولا يعودون إليها مرَّةً أُخرى .. حتى أنا .. أصبحتُ مع مرور الزمن جزءٌ مما حولى .. هيكلاً قديماً عفا عليه الزمن .
تدرَّجَ زملائى على السلَّمِ الوظيفى و أصبحوا يشغلون أهمَّ المراتب ..
يركبون السيارات الفارهة ..
يسكنون العمارات الشامخه ..
و يرسلون أبناءهم للمدارس الأجنبيه ..
و أنا هنا .. أعملُ بصبر .. أجلسُ بدرجتى السادسه على هذا الكرسى أُثنى عشره عاماً .
كلما صدَرَ كشفٌ للترقيات وجدتنى أنتظرُ مكتوباً يهنئنى بالصعود ..
يطولُ إنتظارى ..
أحملُ نظارتى و أجرُّ رِجْلَىَّ متعثراً نحو لوحة الإعلانات .
و ما أن أطَّلِعُ على الكشف حتى يصيبنى الدوار ..
و أُحسُّ بخيبة الأمل و مرارة الظلم تتسرَّبان إلى دواخلى .. ’’ هؤلاء الملاعين .. يصرّون على إستفزازى بهذا الوضع المذرى , لا بأس سأشكوهم للمدير العام ..
و أؤكدُ إستحقاقى للترقيه .. ‘‘ .
و مثلما أفعلُ كل عام أجلسُ إلى جوار مدير المكتب الذى يتجاهلنى بدوره فترةٍ ليستْ بالقصيره , ثم يلتفتُ نحوى بلا إهتمام .. يسألنى عن أمرى و هو يقلِّبُ بعض الأوراق التى أمامه .. و فى أثناء حديثى يقاطعنى مستأذناً ليردُّ على التليفونِ حيناً و ليخفضُ أزيز جهاز التكييفِ حيناً آخر , ثم يعود لينحنى نحوى بلُطْفٍ و هو يقول بطريقةٍ لبِقَه :
- نعم يا أستاذ .. لماذا تريدُ مقابلة المدير العام ؟ .
فأعود لأبدأ الشرح من جديد .
و فى نهاية الأمر يعتدلُ فى جلسته و يرفعُ سمَّاعة التليفون :
- الأستاذ عبدالكريم بطرفنا الآن و يودُّ مقابلة سعادتكم .
- قلتَ مين ؟ .
- عبدالكريم سعادتك ..
- عبدالكريم مين ؟ .
- عبدالكريم النور ..
فيردد الإسم و هو يقلِّبُ صفحاتَ ذاكرته :
- عبدالكريم النور .. عبدالكريم النور .. عبدالكريم ال .. آه تذكرتُ الآن .. رئيس قسم المحفوظات , أليس كذلك ؟ .
- نعم سيدى ..
- أخبره بإنى مشغولٌ الآن .. دَعْه يأتى فى وقتٍ آخر .
كان ينتابنى شعورٌ باليأسِ ..
الحِنْقِ ..
و الغيظ ..
ينتابنى إحساسٌ بالقهرِ والظلم و أنا أرى كرامتى تُهرَقُ أمام عينى فى وضح النهار ..
ينسونى دائماً ..
مثلما ينسون الدفاتر و المجلدات و المستندات التى يبعثون بها إلَىْ ..
هكذا الأمر إذاً ..
كل ما يرسلونه إلى هنا يصبحُ فى طىِّ النسيان .. حتى و إن كان هذا المُرسَلُ بَشَراً ..
إنساناً من لحمٍ و دم .
و هكذا .. بدأ يداخلنى اليقين بأنى سأقضى بقيَّة عمرى هنا و بهذه الدرجة الوظيفيَّه .. لأنهم بالطبعِ لن يتذكروا إحالتى للمعاش عند بلوغى سن التقاعد ’’ الإجبارى ‘‘ ..
و منذ ذلك الوقت بدأتُ أحاول تهيئة المكتب مستعيناً ببعض المال الذى يبعثُ به إبنى بالخارج فأدفعُ منه راتب ’’ عباس ‘‘ .. ذلك الشاب المتسيِّب الذى أستخدمه فى أعمال النظافه
و إعداد الشاى والقهوه بغرض طرد السأم والملل الذى ألقى بعَصَاه فى هذا المكان .
الجو هنا له رائحه ..
ذلك أوَّلُ ما يتبينه المرءُ عند دخوله قسم المحفوظات – مقبرة الأوراق , و الآدميين , و آلاف القضايا التى تخصُّ العاملين بالمنشأه – حتى إننى بدأتُ أشكُّ فى أن هذه الرائحه صبَغَتْ أنفاسى ..
و إحساسى ..
و أحاديثى مع الآخرين .
أصبحتْ تلك الأحاديث – على قَِّلتها – لا تُثيرُ إهتماماً ..
بدأتْ تصدأ ..
تتآكلُ يوماً بعد يوم .. فلم تَعُدْ تعدو مجرَّد أحاديثٍ سمجه لا تطيقها الآذان .
- عباس .. أنا لا أودُّ التدخُّل فى شئونك , و لكن .. هناك بعض الأسئلة التى تعصفُ بذهنى .. أُحِسُّ أحياناً بأنَّك تحملُ همَّاً يصعُبُ معه الإحتمال .. أراه على تلك الشعَرَات البيض التى تلمعُ على فوديْك .. أراه هنا خلف هذا العبوس الذى تدهنُ به ملامح وجهك , تبدو صارماً رغم صِغَر سنِّك .. صرامةً لا يستطيع الرجُل أن يملأ فيها عينيه مرَّتين .. ماذا بِك ؟ .
قلتُ له ذلك لأدراكى بوعى أن دواخل هذا الشاب مسكونةً بإحباطٍ قاسٍ يثيرُ الشفَقَه .. كُنتُ أرجِّح أنما يعيشه عباس الآن ’’ أزمة جيل كامل ‘‘ ..
جيلٌ خرج إلى الدنيا و وجد نفسه مُحاطاً بضائقةٍ يصعبُ منها الإفلات .. و علمتُ فى تلك اللحظة أن التقطيبة التى تسكنُ جبينه , مَرَدّها إحساسٌ بمسئوليَّةٍ جسيمه ظلَّ يحملها على عاتقيه مائة وعشرون شهراً و نيف .
إنه يكفل أسرةً لا تعرفُ الإبتسام ..
ينفقُ على إخوته منذ ان هاجر أبيه طلباً للرزقِ فاستمرأ العيش هناك و طاب له المقام , فى بلدٍ يستجدى فيه المرءُ قوته بالذلِّ والإهانه .
- يا بُنَىْ ..
أنتَ ما زلتُ فى مُقتبلِ العمر ..
إعمل بجِدٍّ وتفاءل ..
إذ ليس فى الدنيا ما يدعو للعبوس ..
كلُّ إنسانٌ منَّا له نصيبٌ فى الحياه .. له رزقٌ سطَّره الله منذ الأزل , قبل بدء الخليقه ..
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ